عبد الشافى محمد عبد اللطيف

136

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

ولا لأمة دون أمة من الناس ، ولا لمكان دون مكان ، ولا لزمان دون زمان ؛ بل هي عالمية الزمان والمكان وموجهة للجنس البشري كله . وتلك الطبيعة تحددها نصوص القرآن الكريم بشكل قاطع في نصوص قطعية الدلالة . منها قول اللّه تعالى - مخاطبا النبي صلّى اللّه عليه وسلم - : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [ سبأ : 28 ] ، ومنها قوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] ، ومنها قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] ، ومنها قوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 27 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ التكوير 27 - 29 ] ، ومنها قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] إلى غير ذلك من الآيات التي توضح أن رسالة الإسلام موجهة إلى الجنس البشري كله . كما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عندما أمر بالجهر بالدعوة طبقا لأمر اللّه له بقوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [ الحجر 94 ] جمع وجوه قريش وزعماءها وأعلن لهم رسالته ، وكان مما قاله لهم : « إني رسول اللّه إليكم خاصة وإلى الناس كافة » . والرسالة الإسلامية من هذه الناحية تختلف عن الرسالات السماوية التي سبقتها ، فتلك الرسالات كانت محدودة الزمان والمكان والبيئة ، بمعنى أن كل رسول كان يرسل إلى قوم معينين في زمان معين أيضا ، لذلك نجد أكثر من رسول متزامنين ومتجاورين كذلك ، كما هو الحال بالنسبة لإبراهيم ولوط - عليهما الصلاة والسلام - فقد كان إبراهيم في فلسطين ولوط في الأردن . والقرآن الكريم في إخباره لنا بتلك الرسالات وضح لنا طبيعتها فيقول عن نوح عليه السّلام : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ نوح : 1 ] ، وعن إبراهيم عليه السّلام : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ( 69 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ [ الشعراء : 69 ، 70 ] ، وعن هود عليه السّلام : وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ [ الأعراف : 65 ] ، وعن صالح عليه السّلام : وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ الأعراف : 72 ] وعن موسى عليه السّلام : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [ الصف : 5 ] ، وعن عيسى عليه السّلام - وهو آخر الأنبياء قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام - : وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] ، وهكذا لا نجد رسالة سماوية وجهت إلى الجنس البشري عامة سوى رسالة الإسلام .